كأنني، منذ ولادتي، منبهرٌ بالحضارة المصرية القديمة. عشقتُ الدراسات الاجتماعية منذ المرحلة الابتدائية، وكنت متفوقًا في مادتي التاريخ والجغرافيا، حريصًا على قراءة دروس العام الجديد خلال الإجازة الصيفية التي تسبقه. وقد أنعم الله علينا في الصف السادس الابتدائي بالأستاذ محمد إبراهيم، الذي درّس لنا التاريخ والجغرافيا فأحببناهما بفضله، خاصة التاريخ، وزاد تعلّقي به أكثر فأكثر خلال المرحلة الإعدادية والثانوية. لكن، حين بلغت الصف الثاني الثانوي، كان لا بد من الاختيار بين المسار العلمي والمسار الأدبي. وقفت الأسرة وكلّ من حولي مع حلمهم التقليدي: أن يصبح ابنهم المتفوق طبيب العائلة. لم يعلموا أنني لا أحتمل حتى مشهد حقنة في التلفاز، وأغلق عينيّ فورًا عند رؤية عملية جراحية أو حادث. ولا يزال هذا حالي حتى اليوم، وقد تجاوزتُ الستين عامًا! تشتّت ذهني، ولم أحقق مجموعًا كبيرًا، فالتحقت بالمسار العلمي، واختارت لي الظروف كلية الزراعة وسعدت بها، وبما يتناسب مع حياتي الريفية. وكان لخالي رجل التربية والتعليم المخضرم دور كبير حين قال لي: "أثبت نفسك في هذا المجال، وبعد الدكتوراه لك مطلق الحرية." وبالفعل، وفّقني الله في دراسة الزراعة، وسلكت طريق أساتذة الجامعة، وحصلت على الدكتوراه، ثم عدت إلى الوطن.